صديق الحسيني القنوجي البخاري

140

فتح البيان في مقاصد القرآن

تائِباتٍ يعني كثيرات التوبة من الذنوب ، تاركات لها ، راجعات إلى اللّه وإلى أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم عن الهفوات والزلات عابِداتٍ للّه متذللات له قال الحسن وسعيد بن جبير : كثيرات العبادة سائِحاتٍ أي صائمات قاله ابن عباس ، وقال زيد بن أسلم والحسن : مهاجرات ، وليس في أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم سياحة إلا الهجرة ، قال ابن قتيبة والفراء وغيرهما : وسمي الصيام سياحة لأن السائح لا زاد معه ، وقيل : المعنى ذاهبات في طاعة اللّه من ساح الماء إذا ذهب ، وأصل السياحة الجولان في الأرض ، وقيل : يسحن معه حيث ساح وقد مضى الكلام على السياحة في سورة براءة . ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً أي بعضهن كذا وبعضهن كذا ووسط بينهما العاطف لتنافيهما دون سائر الصفات . والثيبات جمع ثيب لا ينقاس ، لأنه اسم جنس مؤنث ووزنها فعيل من ثاب يثوب أي رجع ، وهي المرأة التي قد تزوجت ثم ثابت عن زوجها فعادت كما كانت غير ذات زوج ، وقيل : لأنها ثابت إلى بيت أبويها وهذا صح : لأنه ليس كل ثيب تعود إلى زوجها ، والأبكار جمع بكر وهي العذراء سميت بذلك لأنها على أول حالها التي خلقت عليها ، عن بريدة في الآية قال : وعد اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية أن يزوجه بالثيب آسية امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران . ولا يقال : أي مدح في كونهن ثيبات لأن الثيب قد تمدح من جهة أنها أكثر تجربة وعقلا ، وأسرع حبلا غالبا ، والبكر تمدح من جهة أنها أطهر وأطيب وأكثر مداعبة وملاعبة غالبا . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ بفعل ما أمركم به ، وترك ما نهاكم عنه أي اجعلوا لها وقاية بالتأسي به صلى اللّه عليه وسلم في ترك المعاصي ، وفعل الطاعات وَأَهْلِيكُمْ من النساء والولدان ، وكل من يدخل في هذا الاسم بأمرهم بطاعة اللّه ، ونهيهم عن معاصيه ، وبأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم نصحا وتأديبا . ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أي نارا عظيمة ، تتوقد بالناس الكفار والحجارة ، كالأصنام منها ، كما يتوقد قد غيرها بالحطب ، وقيل : الكبريت لأنه أشد الأشياء حرا وأسرع إيقادا ، وقد تقدم بيان هذا في سورة البقرة ، قال مقاتل بن سليمان : قوا أنفسكم وأهليكم بالأدب الصالح النار في الآخرة وقال قتادة ومجاهد . قوا أنفسكم بأفعالكم ، وقوا أهليكم بوصيتكم ، قال ابن جرير : فعلينا أن نعلم أولادنا الدين والخير ، وما لا يستغنى عنه من الأدب ، ومن هذا قوله : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [ طه : 132 ] ، وقوله : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] ، وعن علي بن أبي طالب في الآية قال : علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم ، وعن ابن عباس قال : اعملوا بصاعة اللّه واتقوا معاصي اللّه وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم اللّه من النار ، وعنه قال : أدبوا أهليكم .